أحمد بن محمد القسطلاني
58
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ِ وَسَلَّمَ - ) يحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك فيكون من مسندها ، وأن يكون الحرث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم بوصله عند الجمهور ، ( فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ) ؟ أي صفة الوحي نفسه أو صفة حامله أو ما هو أعم من ذلك ، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجاز لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله ، ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بالفاء قبل القاف ، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أحيانًا ) أي أوقاتًا وهو نصب على الظرفية وعامله ( يأتيني ) مؤخر عنه أي يأتيني الوحي إتيانًا ( مثل صلصلة الجرس ) أو حالاً ، أي يأتيني ْمشابّها صوته صلصلة الجرس وهو بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة والجرس بالجيم والمهملة الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب ، قيل : والصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي ، وقيل : صوت حفيف أجنحة الملك . والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه متسع لغيره ( وهو أشده عليّ ) وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات ( فيفصم عني ) الوحي والملك ، بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء وكسر المهملة ، كذا لأبي الوقت من فصم يفصم من باب ضرب يضرب ، والمراد قطع الشدة أي يقلع وينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة ، ويروى فيفصم بضم الياء وكسر الصاد من أفصم المطر إذا أقلع ، رباعي قال في المصابيح : وهي لغة قليلة ، وفي رواية أخرى في اليونينية فيفصم بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول والفاء عاطفة والفصم القطع من غير بينونة ، فكأنه قال : إن الملك يفارقني ليعود إليّ ( وقد وعيت ) بفتح العين أي فهمت وجمعت وحفظت ( عنه ) عن الملك ( ما قال ) أي القول الذي قاله فحذف العائد وكل من الضميرين المجرور والمرفوع يعود على الملك المفهوم مما تقدم . فإن قلت : صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في مسلم وأبي داود وغيرهما ، فكيف يشبه به ما يفعله الملك به مع أن الملائكة تنفر عنه ؟ أجيب : بأنه يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها ، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما . والمقصود هنا بيان الجنس ، فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم . والحاصل أن الصوت له جهتان : جهة قوّة وجهة طنين ، فمن حيث القوّة وقع التشبيه به ومن حيث الطنين وقع التنفير عنه . وقال الإمام فضل الله التوريشتي بضم الفوقية وسكون الواو بعدها راء فموحدة مكسورتان ثم شين محجمة ساكنة ففوقية مكسورة لما سئل عليه الصلاة والسلام عن كيفية الوحي ، وكان من المسائل العويصة التي لا يماط نقاب التعزز عن وجهها لكل أحد ، ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في هيبة الجلال وأبّهة الكبرياء ، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب ، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له به بالقول مع وجود ذلك ، فإذا سرّي عنه وجد القول المنزل بينًا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع ، وهذا معنى فيفصم عني وقد وعيت ، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العليّ الكبير اه - . وقد روى الطبراني وابن أبي عاصم من حديث النوّاس بن سمعان مرفوعًا : " إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى ، فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخرّوا سجّدًا فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به إلى الملائكة ، كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا قال الحق فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض " . وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعًا : " إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون ، وعند ابن أبي حاتم عن العوفي عن ابن عباس وقتادة أنهما فسّرا آية { إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ }